مقالات

هل يغلب ضرر التحالف الدفاعي للكيان مع الولايات المتحدة على نفعه؟

فكرة التحالف الدفاعي بين الكيان والولايات المتحدة طرحها الأمريكيون لأول مرة بعد حرب الأيام الستة، ومنذ ذلك الحين، أثيرت هذه القضية في عدة مناسبات، ويتميز التحالف الدفاعي العسكري بين الكيان والولايات المتحدة يتمتع بالعديد من المزايا، إلا أن هذه المزايا سوف تعتمد دائماً على تعريف الولايات المتحدة لمصالحها الاستراتيجية، وفي ظل ظروف عدم التماثل الواضح بين البلدين، ستكون هذه المصالح دائماً أكثر أهمية وتأثيراً من مصالح الكيان.

القيود التي ستفرض على الكيان بحكم التنسيق الذي تتطلبه شروط الحلف الدفاعي ستقلل من نطاق المرونة والنشاط “الإسرائيلي”، ولذلك فمن المناسب الإصرار بقوة على الحفاظ على مساحة المناورة والمرونة الاستراتيجية، إن تعزيز العلاقات مع الولايات المتحدة أمر مهم، لكن المبدأ الذي تم ترسيخه في الكيان عند إعلان قيامه – سيدافع عن نفسه بقوة – هو مبدأ ذو منطق متين تطبيقه اليوم يجب أن يكون سبعة أضعاف، وسيكون خطأً خطيرًا من جانب الكيان إذا تخلى عن هذا المبدأ.

إن التحالف الدفاعي هو التزام رسمي بشكل عام، جوهر التحالف الدفاعي هو الالتزام المتبادل بالدفاع ضد عدوان طرف ثالث والذي يتطلب من الحلفاء التصرف دفاعًا عن الدولة التي تتعرض لهجوم، أما اليوم فإن التحالف الأكثر شهرة هو حلف شمال الأطلسي (الناتو)، والذي توسع في أعقاب تفكك الاتحاد السوفييتي.

بعد اندلاع حرب أوكرانيا، انضمت إليه فنلندا والسويد أيضًا، إلى جانب حلف الناتو، يتم الاعتراف بتحالفات دفاعية أكثر محدودية، مثل التحالفات الأمريكية مع اليابان وكوريا الجنوبية، وكجزء منها تعهدت الولايات المتحدة بحماية حلفائها في حالة تعرضهم لهجوم، وفي مثل هذه التحالفات يكون التبادلية محدودة مقارنة بما هو معروف في حلف الناتو، تم التوقيع على هذه التحالفات خلال فترة الحرب الباردة، إن تطور تهديدات إضافية، مثل التهديدات العسكرية في الفضاء أو مجال السايبر، يتطلب في بعض الأحيان تعديلات في التحالفات الدفاعية، على سبيل المثال، حاول حلف الناتو إجراء تعديلات في المواضيع المذكورة.

فكرة التحالف الدفاعي بين الكيان والولايات المتحدة طرحها الأمريكيون لأول مرة بعد حرب الأيام الستة، وكانت الفكرة تتلخص في إتاحة المجال للكيان بمساحة مناورة سياسية من خلال تنازلات تنطوي أيضاً على مخاطر أمنية، مقابل وعد بالحماية الأميركية في حالة وقوع هجوم على الكيان.

وفي منتصف التسعينيات من القرن الماضي، طُرحت القضية مرة أخرى في المحادثات مع رئيس حكومة العدو “شمعون بيريز”، لكن نتائج انتخابات عام 1996 أزالت القضية من جدول الأعمال، لاحقاً، وعلى خلفية التقدم في “محادثات السلام” مع سوريا، طرحت إدارة كلينتون مرة أخرى فكرة التحالف الدفاعي على افتراض أن التحالف سيسهل على الكيان الانسحاب من هضبة الجولان، وفي عام 2019، وفي إطار الحملة الانتخابية، طرح رئيس حكومة العدو “بنيامين نتنياهو” الفكرة، لكن الفكرة لم تنضج، بسبب معارضة المنظومة الأمنية لدى العدو وبسبب عدم الاستقرار في النظام السياسي، ما أدى إلى حملات انتخابية متكررة.

نشهد هذه الأيام تقدماً في عملية التطبيع مع السعودية ومطالبتها بتحالف دفاعي مع الولايات المتحدة الأمريكية، وبالتالي تعود فكرة التحالف الدفاعي “الإسرائيلي” مع الولايات المتحدة إلى الظهور من جديد.

يتمتع التحالف الدفاعي العسكري غير الملزم بالتبادلية بين الكيان والولايات المتحدة بالعديد من المزايا، على سبيل المثال، التحالف الدفاعي مع الولايات المتحدة سيعزز الموقع السياسي والاستراتيجي للكيان في العالم بشكل عام وفي المنطقة بشكل خاص، وسيحسن قدرته على العمل سياسيًا ودبلوماسيًا مع الدول والمنظمات الدولية.

من المحتمل أن يؤدي مثل هذا التحالف إلى تعزيز العلاقة بين الكيان والولايات المتحدة، وربما حتى إلى توسيع الدعم الحزبي للكيان الذي تآكل مؤخرًا، وتوفير منصة استقرار للدعم الأمريكي لسنوات قادمة، هناك من يعتقد أن مثل هذا التحالف الدفاعي يمكن أن يساعد الكيان أيضًا في الحرب ضد إيران وحلفائها، وربما يزيد من صعوبة تحقيق إيران لجهودها من أجل الهيمنة الإقليمية.

كما يمكن أن تنعكس ميزته في تعزيز الشعور بـ”الأمن” لدى المستوطنين وتقليل الضغوط الأمنية بشكل عام وعلى صناع القرار بشكل خاص، بل وزيادة مساحة المرونة والمناورة السياسية تحت غطائه، ولكن كل الفوائد سوف تعتمد دائماً على تعريف الولايات المتحدة لمصالحها الاستراتيجية عند نقطة معينة من الزمن، وفي ظل ظروف عدم التماثل الواضح بين الولايات المتحدة والكيان، ستكون هذه المصالح دائماً أكثر أهمية وتأثيراً من مصالح الكيان، وفي واقع وجود إدارة منتقدة أو صدامية، كما عرف الكيان عدة مرات في تاريخ العلاقات مع الولايات المتحدة، فإن التحدي قد يكون أكثر خطورة.

لا بد من التذكير بأن الأسباب التي سبق عرضها ضد إقامة تحالف دفاعي مع الولايات المتحدة قوية وحاضرة، ومن الممكن أن يؤدي التحالف الدفاعي العسكري إلى تقليص حرية الكيان في التحرك ضد مجموعة متنوعة من التهديدات في المنطقة، صحيح أن الكيان شمل دائماً «العامل الأميركي» في قراراته، لكنه بعد عقد التحالف سيجد نفسه مضطر إلى أن يكون أكثر حساسية لأهواء ومشاعر واشنطن بما في ذلك التقليل من الأضرار المحتملة على المصالح الأميركية في المنطقة.

على سبيل المثال، يمكن الافتراض أن الهجوم على المفاعل في سوريا كان يتطلب تنسيقاً وتزامناً ومراعاة أكبر للمصلحة الأميركية، هؤلاء كانوا سيتسببون في إلغاء الهجوم أو تأجيله، والنتيجة العملية كما ذكرنا، هي تضييق جوهري على “حرية العمل الإسرائيلية”.

اليوم، كما في الماضي، يشكل التحالف الدفاعي بداية كل مصلحة أميركية هدفها إخضاع الكيان للمصالح الأميركية وكبح نشاطه العسكري، ومن الجيد أن نتذكر أن القيمة الحقيقية للالتزام الأميركي تكمن دائماً في الضمان المحدود، وهكذا، على الرغم من أن الولايات المتحدة وقعت في عام 1994 على مذكرة بودابست التي تعهدت فيها (مع دول أخرى، بما في ذلك روسيا) بحماية السيادة الأوكرانية، إلا أن الولايات المتحدة في لحظة الحقيقة فضلت عدم حماية سيادة أوكرانيا والاكتفاء بالمشورة والدعم بالمعدات القتالية.

ورغم أن هذه المذكرة ليست تحالفاً دفاعياً، إلا أنها تثير تساؤلات حول مدى قوة الالتزام الأميركي، نظراً لأن مصالح الولايات المتحدة تطغى دائماً على مصالح الدول الأخرى، وهذه هي الطريقة التي ألغت بها الولايات المتحدة التحالف الدفاعي التايواني مع الولايات المتحدة من جانب واحد عندما أرادت الأخيرة إقامة علاقات مع الصين، ويجب أن نتذكر أيضًا أن التحالفات لم تمنع الضغوط الأمريكية الشديدة على اليابان وكوريا الجنوبية.

إن خصائص النظام الإقليمي تعطي صلاحية أكبر للحاجة إلى التصرف بحذر وعدم الوقوع في آمال زائفة، إن محور المقاومة الذي تقوده إيران يتوسع ويضم الآن حزب الله والجهاد الإسلامي الفلسطيني وحماس والحوثيين في اليمن، يخطط محور المقاومة لشن معركة متعددة الجبهات ضد الكيان من خلال خمس جبهات نشطة (لبنان وسوريا والعراق واليمن والساحة الفلسطينية، كما يضيف بعضها جبهة سادسة إلى هذه الجبهات، الساحة الداخلية الإسرائيلية – بعض المواطنين الفلسطينيين في الداخل المحتل)، إيران سترغب في استخدامه بالتنسيق ومعاً ضد الكيان في يوم نشوب المعركة، أو بشكل متقطع لإبقاء الكيان في حرب استنزاف مستمرة، والتي، وفقاً لنهج الإيرانيين وحماس، ستؤدي إلى تفكك الحصانة الوطنية والتماسك الاجتماعي “الإسرائيلي”.

يجب على كيان العدو أن يحافظ على حرية العمل الاستراتيجية والعسكرية أمام كل هذه الجبهات، على سبيل المثال هو يعمل في الساحة السورية من خلال سلاح الجو، وفي الساحة الفلسطينية في مناطق الضفة الغربية والسلطة الفلسطينية في عملية مستمرة مثل عملية “البيت والحديقة”، وضد حماس والجهاد الإسلامي في قطاع غزة في جولات عسكرية مكثفة في ظل سياق مستجد.

إن كل عمل “إسرائيلي” في أحد الساحات المحلية له دائمًا آثار إقليمية ودولية ستتطلب بموجب شروط التحالف الدفاعي، تنسيقًا كاملاً مع الولايات المتحدة، التنسيق الكامل يعني الأخذ بعين الاعتبار المصالح الإقليمية وغيرها من المصالح الأميركية التي لا تتطابق دائماً مع المصالح “الإسرائيلية”.

ويمكن للأميركيين أن يعارضوا النشاط “الإسرائيلي” على أساس أنه قد يؤدي إلى تصعيد إقليمي، إن القيود التي سيتم فرضها على الكيان بموجب التنسيق الذي تفرضه شروط التحالف الدفاعي ستقلل من نطاق المرونة والعمل لديه وقد تجره إلى حرب استنزاف مستمرة ضد المقاومة الفلسطينية، والتحدي الذي يشكله حزب الله والاعتبارات الاستراتيجية لإيران، معنى حرب الاستنزاف هو تآكل قدرة الكيان على الردع، والإضرار بصورته القوية، والضرر الاقتصادي، وتآكل الحصانة الاجتماعية، وقد يكون الثمن باهظا جدا.

ولذلك فمن المناسب الإصرار بقوة على الحفاظ على الحصانة والمرونة الاستراتيجية للكيان ومساحة المناورة لديه، وأي تحالف دفاعي يعد انتهاكا لاستقلال القرار، إن تعزيز العلاقات مع الولايات المتحدة أمر مهم، لكنه يعتمد في نهاية المطاف على المصالح الأميركية التي لا تتطابق دائما مع المصالح الاستراتيجية الأمنية للكيان، إن المبدأ الذي تقرر في الكيان عند إعلان قيامه، هو أنه سيدافع عن نفسه بقوته هو مبدأ ذو منطق راسخ ولا يزال سارياً حتى اليوم وسيكون خطئاً خطيرا من جانب الكيان إذا تخلى عن هذا المبدأ.

المصدر: معهد القدس للاستراتيجية والأمنغابي سيبونيخبير عسكري وأمني

البروفيسور كوبي مايكلباحث في معهد دراسات الأمن القومي

 

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى