العودة إلى المنازل المخلاة: رحلة البحث عن «الرمق»

إلى مدينة بيت حانون، أقصى شمال قطاع غزة، عاد المئات من المواطنين إلى منازلهم للقيام بالمهمّة نفسها، غير أن قليلاً من الذين خاضوا تلك الرحلة استطاعوا الظفر بما ذهبوا لأجله. في باحة المستشفى الإندونيسي حطّت عربة يجرّها حصان وعلى متنها أربعة من الشهداء واثنان من المصابين. قال أحدهم لـ«الأخبار»: «وصلنا إلى باب البيت قرب مبنى البلدية، وشرعنا في تحميل ما في البيت من مواد تموينية وأغطية ملابس، قبل أن تعاجلنا دبابة بثلاث قذائف، تسبّبت باستشهاد أربعة من أبناء عائلتي وإصابتي أنا وأخي». حتى الساعة الثانية بعد الظهر من يوم الجمعة الماضي، وصل إلى باحة المستشفى نفسه أكثر من 20 شهيداً، قضوا وهم في طريقهم إلى منازلهم. يقول المسنّ أبو محمود الزعانين، الذي عاد إليه ثلاثة من أبنائه شهداء: «والله ترجيتهم ما يروحوا، قلت لهم رح يقتلوكم، ما سمعوا كلامي، قالوا الموت أهون من إنو نشوف الصغار بيموتوا من البرد والجوع… فعلاً الموت أهون إشي في هيك وضع».
بالقرب من مفترق الشيخ زايد، التقينا العشرات من المواطنين الذين أتمّوا المغامرة بسلام. يخبرنا الشاب العشريني، محمود العطار، بأن الدبابات الإسرائيلية انسحبت فعلاً من المدينة، وتمركزت في أقصى غربها بالقرب من منطقة الواحة ومنتج بيانكو القريب من شاطئ البحر، لكن قذائف الدبابات وصواريخ الطائرات المسيّرة تستهدف كلّ من يتحرّك. يقول في حديثه إلى «الأخبار»: «في المشوار الأول، قصفوا سيارة كانت في طريقها إلى حيّ العطاطرة، فقرّرنا الذهاب سيراً على الأقدام، ومن الطرق غير الرئيسة، مشينا إلى جانب الجدران وتحت شرفات المنازل، ووصلنا، وحملنا ما استطعنا حمله وعدنا، وسأعود مجدّداً، الناتج يستحقّ المغامرة». يبدو الشاب سعيداً؛ إذ سيحصل ذووه الذين يبيتون في خيمة بالقرب من مدرسة بيت لاهيا الجديدة، أخيراً، على الطحين والمعلبات التي لم يذوقوها منذ عشرين يوماً.
أمّا في أحياء السكة وشعشاعة شرق حي تل الزعتر، فلم تفلح مغامرة عائلة أبو صفية في الوصول إلى منزلها. يقول مصدر طبي إن سيارة كانت تقلّ ثلاثة من أبناء العائلة قصفتها الطائرات الحربية وهي في الطريق إلى المنزل، فيما لم تستطع سيارات الإسعاف الوصول إلى السيارة المحترقة إلى الآن. في المقابل، استطاع الحاج أبو محمد حمدونة الوصول إلى منزله في حي السلاطين غربي مدينة بيت لاهيا. يقول لـ«الأخبار»: «كان الطريق صعباً بسبب تدمير كلّ الشوارع الرئيسة، ولم تطلق الطائرات الحربية علينا أيّ صواريخ». ومع ذلك، عاد الرجل خالي الوفاض؛ إذ إن منزله كان سُوّي بالأرض تماماً، شأنه شأن أكثر من 20 منزلاً محيطاً به.