بكين محجّةً للديبلوماسية العربية: حَراك صيني متنامٍ يزعج واشنطن

ولذلك، حرص وانغ يي، في تقرير صادر عن الخارجية الصينية في أعقاب لقائه مع المسؤولين المذكورين أعلاه، على الإشارة إلى أن اختيار أعضاء الوفد المشترك، بكين، كمحطّة أولى لهم، يدلّ على «ثقتهم التامّة بالصين»، مشدّداً على أنّ أيّ «ترتيب يتعلّق بمستقبل فلسطين ومصيرها لا بدّ من أن يكون بموافقة الشعب الفلسطيني، مع مراعاة الهموم المشروعة لدول المنطقة. وأيّ حلّ للوضع الراهن يجب أن لا ينحرف عن (حلّ الدولتين)، ويجب أن يخدم السلام والاستقرار في المنطقة». ومن جهتهم، أشار وزراء خارجية الدول العربية والإسلامية، المشاركون في الاجتماع، إلى أنّ «الكارثة الإنسانية في غزة لا تزال مستمرّة»، داعين «المجتمع الدولي إلى أن يتّخذ خطوات مسؤولة في أسرع وقت ممكن، ويدفع إلى وقف إطلاق النار ومنع القتال فوراً، ويضمن إيصال المساعدات الإنسانية إلى قطاع غزة بشكل كاف، ويحمي المدنيين الفلسطينيين الأبرياء، ويمنع التهجير القسري لسكّان غزة».
وشمل «التحرّك الصيني» في اتجاه الدفع نحو وقف شامل للعدوان على غزة، مشاركة الرئيس شي جين بينغ، في «القمة الافتراضية الاستثنائية» التي عقدتها مجموعة «بريكس»، بدعوة من جنوب أفريقيا، لبحث «الحرب على غزة»، في الـ21 من الشهر الجاري، والتي أعاد فيها شي التأكيد أنّ «السبب الجذري لِما وصلت إليه الأوضاع الفلسطينية – الإسرائيلية، اليوم، يرجع إلى تجاهل حقوق الشعب الفلسطيني في إقامة دولته، منذ زمن طويل»، مشيراً إلى أنّ «الصين، بصفتها رئيساً دورياً لـ(مجلس الأمن الدولي)، دفعت المجلس نحو اعتماد القرار الذي يطالب بتمديد الهدنة الإنسانية، والمدّة الزمنية للممرّات الإنسانية وحماية المدنيين، وتنفيذ عمليات الإغاثة الإنسانية وغيرها». على أنّ «الجمهورية الشعبية»، وطبقاً لما عبّر عنه عدد من الديبلوماسيين الصينيين، في غير محطّة، تعتبر أنّ الضغوط التي تمارسها، سواءً في مجلس الأمن أو خارجه، تندرج في إطار استراتيجية «الضغط على الولايات المتحدة»، قبل إسرائيل، وقبل محاولة التوسّط مباشرة في الحرب، ما سيجبر واشنطن على التراجع تدريجياً عن دعمها لتل أبيب، ويجعل الأخيرة تلقائياً تتراجع عن عدوانها على الفلسطينيين.
وبالفعل، يمكن بوضوح تتبّع مسار التحوّل في «لهجة» الإدارة الأميركية، نتيجة الضغوط الخارجية والداخلية الكبيرة المفروضة عليها. وفي هذا السياق، نقلت صحيفة «واشنطن بوست» الأميركية، الأسبوع الحالي، عن مسؤول أميركي كبير في إدارة جو بايدن، قوله إنّه «بداية هذا الشهر، طلب نحو 20 موظّفاً في البيت الأبيض لقاء كبار مستشاري الرئيس الأميركي، لنقاش الحرب في غزة»، بعدما تركت الأخيرة «تأثيراً أكبر من أيّ قضيّة أخرى» عليه طوال ولايته الرئاسية. وفي حين يَظهر الانقسام داخل البيت الأبيض، للوهلة الأولى، على أنه بين كبار مساعدي بايدن القدامى ومجموعة من الموظفين الأصغر سناً من خلفيات مختلفة، إلا أنّه «حتى كبار المستشارين في الإدارة»، قالوا إنهم يدركون أن الحرب أضرّت بـ«مكانة أميركا العالمية»، وأصبحت تُحمّلها «الكثير من الأعباء». وعليه، اتبع بايدن، وفقاً للمصدر نفسه، نهجاً أكثر صرامة تجاه إسرائيل، في الأسابيع الأخيرة، ووجّه انتقادات «مباشرة» إلى رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو. ويردف التقرير أنّ المسؤولين الأميركيين يستغلّون الهدنة لحثّ إسرائيل على جعل العملية التي «تنوي شنها، مستقبلاً، في جنوب غزة» أكثر «توجهاً» وأقلّ «فتكاً»، وسط انتقادات مستجدّة من عدد متزايد من الخبراء لموقف بايدن «الأوّلي» من الحرب على غزة، باعتبار أنّه لو «أَظهر دعماً أقلّ لإسرائيل»، فإنّ واشنطن كانت ستملك «مجالاً أكبر للمناورة»، بدلاً من الالتصاق بالاستراتيجية الحالية، التي «تسبّب لها الكثير من المشكلات».